ابن كثير

299

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فرقة ، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة ، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا » صدق صلوات اللّه وسلامه عليه . وفي الحديث أيضا ، المروي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « قال لي جبريل قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد ، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم » رواه الحاكم والبيهقي . وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو بكر ، حدثنا عاصم ، عن زر بن حبيش ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : إن اللّه نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خير قلوب العباد ، فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته ، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه ، يقاتلون على دينه ، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن ، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللّه سيئ . وقال أحمد « 2 » : حدثنا شجاع بن الوليد ، قال : ذكر قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن سلمان ، قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك » قلت : يا رسول اللّه كيف أبغضك وبك هدانا اللّه ؟ قال « تبغض العرب فتبغضني » وذكر ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية : ذكر عن محمد بن منصور الجواز ، حدثنا سفيان عن أبي حسين قال : أبصر رجل ابن عباس وهو داخل من باب المسجد ، فلما نظر إليه راعه فقال : من هذا ؟ قالوا ابن عباس ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « اللّه أعلم حيث يجعل رسالته » « 3 » . وقوله تعالى : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ الآية ، هذا وعيد شديد من اللّه ، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله والانقياد لهم فيما جاءوا به ، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي اللّه صغار وهو الذلة الدائمة ، لما أنهم استكبروا فأعقبهم ذلك ذلا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا ، كقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] أي صاغرين ذليلين حقيرين . وقوله تعالى : وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ لما كان المكر غالبا إنما يكون خفيا ، وهو التلطف في التحيل والخديعة ، قوبلوا بالعذاب الشديد من اللّه يوم القيامة ، جزاء وفاقا ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً كما قال تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] أي تظهر المستترات والمكنونات والضمائر . وجاء في الصحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال « ينصب لكل غادر لواء عند استه يوم

--> ( 1 ) مسند أحمد 1 / 379 . ( 2 ) مسند أحمد 5 / 440 . ( 3 ) الدر المنثور 3 / 82 .